أمير الذوق
09-18-2009, 01:58 PM
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
أسعد الله جميع أوقاتكم بكل خير .
( هذه قصة اخترتها لما فيها من جمال أدبي )
الحجاج بن يوسف والغلام .
دارت أحداث هذه القصة بين الحجاج بن يوسف الثقفي وأحد الغلمان ممن وهبه الله قوة في الجنان وفصاحة في البيان .
قصة غلام من بني هاشم والحجاج بن يوسف الثقفــي
خرج الحجاج بن يوسف ذات يوم للصيّد فرأى تسعة كلاب إلى جانب صبي صغير السنّ . عمره نحو عشر سنوات , وله ذوائب.
فقال له الحجاج: ماذا تفعل هنا أيها الغلام ؟
فرفع الصبي طرفه إليه وقال له : يا حامل الأخبار , لقد نظرت إلىّ بعين الاحتقار , وكلمتني بالافتخار , وكلامك كلام جبار , وعقلك عقل !!!!.
فقال الحجاج له : أما عرفتني ؟!
فقال الغلام : عرفتك بسواد وجهك , لأنك أتيت بالكلام قبل السلام .
فقال الحجاج : ويلك ! أنا الحجاج بن يوسف !!.
فقال الغلام : لا قرّب الله دارك ولا مزارك ؛ فما أكثر كلامك وأقل إكرامك !.
فما أتمّ كلامه إلا والجيوش قد حلّقت عليه من كل جانب , وكل واحد يقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين .
فقال الحجاج : احفظوا هذا الغلام , فقد أوجعني بالكلام .
فأخذوا الغلام . فرجع الحجاج إلى قصره فجلس في مجلسه ؛ والناس حوله جالسون , ومن هيبته مطرقون , وهو بينهم كالأسد . ثم طلب إحضار الغلام . فلما مَـثُـل بين يديه ورأى الوزراء وأهل الدولة لم يخش منهم , بل قال : السلام عليكم . فلم يرد الحجاج السلام . فرفع الغلام رأسه وأدار نظره فرأى بناء القصر عالياً ومزيناً بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان .
فقال الغلام : "أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين".
فاستوى الحجاج جالساً وكان متكئاً .
فقالوا للغلام : يا قليل الأدب ! لماذا لم تُـسلّم على أمير المؤمنين السلام اللائق ؟! ولماذا لم تتأدب في حضرته ؟!
فقال الغلام : يا براغيث الحمير , منعني عن ذلك التعب في الطريق , وطلوع الدرج . أما السلام على أمير المؤمنين وأصحابه يعني السلام على علىّ بن أبى طالب وأصحابه .
فقال الحجاج : يا غلام , لقد حضرت في يوم تمّ فيه أجلك , وخاب فيه أملك .
فقال الغلام : والله يا حجاج , إن كان في أجلي تأخير لم يضرني من كلامك لا قليل ولا كثير .
فقال بعض الغلمان : لقد بلغت من جهلك يا خبيث أن تخاطب أمير المؤمنين كما تخاطب غلاماً مثلك ؟! يا قليل الأدب ! انظر من تخاطب ؟! وأجبه بأدب واحترام فهو أمير العراق والشام !
فقال بعض الجلساء : اقتله يا أمير المؤمنين , فقد خالف الطاعة , وفارق الجماعة .
فقال الغلام : يا حجاج , أصلح جلساءك فإنهم جاهلون .
فأشار الحجاج لجلسائه بالصمت . ثم سأله الحجاج : هل تعرف أخي ؟
فقال الغلام : أخوك فرعون ! حين جاءه موسى وهارون ليخلعوه عن عرشه , فاستشار جلساءه .
فقال الحجاج : اضربوا عنقه !!.
فقال له الرقاشي : هبني إياه يا أمير المؤمنين , أصلح الله شأنك .
فقال الحجاج : هو لك . لا بارك الله فيه !!.
فقال الغلام : لا شكر للواهب , ولا للمستوهب .
فقال الرقاشي : أنا أريد خلاصك من الموت , فتخاطبني بهذا الكلام ؟؟!! ثم التفت الرقاشي إلى الحجاج وقال له : افعل ما تريد يا أمير المؤمنين !.
فقال الحجاج : أراك تجاوبني على كل سؤال , فأخبرني ما يقرب العبد من ربه ؟
فقال الغلام : الصوم , والصلاة , والزكاة , والحج .
فقال الحجاج : ابن من أنت ؟
فقال الغلام : أنا ابن أبي وأمي .
فسأله الحجاج : من أين جئت ؟
فقال الغلام : على رحب الأرض .
فقال الحجاج : أخبرني , من أكرم العرب ؟
فأجاب الغلام : بنو طيء .
فسأله الحجاج : ولم ذاك ؟
فقال الغلام : لأن حاتم الأصم منهم .
فقال الحجاج : فمن أشرف العرب ؟
فقال الغلام : بنو مضر .
فقال الحجاج : ولم ذاك ؟
فقال الغلام : لأن محمد - صلى الله عليه وسلم - منهم .
فقال الحجاج : أين تركت الإبل ذات القرون ؟
فقال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوّان .
فصاح الحجاج به قائلاً : يا قليل العقل !!, ويا بعيد الذهن !!, هل للصوان ورق ؟!
فقال الغلام : وهل للإبل قرون ؟!
فقال الحجاج : هل حفظت القرآن ؟
فقال الغلام : هل القرآن هارب منى حتى أحفظه ؟!
فسأله الحجاج : هل جمعت القرآن ؟
فقال الغلام : وهل هو متفرق حتى أجمعه ؟!
فقال له الحجاج : أما فهمت سؤالي ؟؟!!
فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول : هل قرأت القرآن , وفهمت ما فيه ؟!
فقال الحجاج : فأخبرني عن آية في القرآن أعظم ؟ وآية أحكم ؟ وآية أعدل ؟ وآية أخوف ؟ وآية أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بينات ؟ وآية كذب فيها أولاد الأنبياء ؟ وآية صدق فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله تعالى لنفسه ؟ وآية فيها قول الملائكة ؟ وآية فيها قول أهل الجنة ؟ وآية فيها قول أهل النار ؟ وآية فيها قول إبليس ؟؟
فقال الغلام : أما أعظم آية فهي آية الكرسي . وأحكم آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" . وأعدل آية "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" . وأخوف آية "أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم" . وأرجى آية "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" . وآية فيها عشر آيات بينات هي "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب" . وأما الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي "وجاءوا على قميصه بدم كذب" , وهم إخوة يوسف ؛ كذبوا ودخلوا الجنة . وأما الآية التي صدق فيها اليهود والنصارى فهي "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء", فصدقوا ودخلوا النار . والآية التي قالها الله تعالى لنفسه هي "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" . وآية فيها قول الأنبياء "وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" . وآية فيها قول الملائكة "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" . وأية فيها قول أهل الجنة "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور" . وآية فيها قول أهل النار "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" . وآية فيها قول إبليس "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" .
فقال الحجاج : أخبرني عمن خُلِقَ من الهواء ؟ ومن حُفِظَ بالهواء ؟ ومن هَلِكَ بالهواء ؟
فقال الغلام : الذي خُلِقَ من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام , والذي حُفِظ َبالهواء سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام , وأما الذي هَلَكَ بالهواء فهم قوم هود .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلِقَ من الخشب ؟ والذي حُفظ بالخشب ؟ والذي هلك بالخشب ؟
فقال الغلام : الذي خُلِقَ من الخشب هي الحية ؛ خُلِقت من عصا موسى عليه السلام , والذي حفظ بالخشب نوح عليه السلام , والذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من الماء ؟ ومن نجا من الماء ؟ ومن هلك بالماء ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من الماء هو أبونا آدم عليه السلام , والذي نجا من الماء موسى عليه السلام , والذي هلك بالماء فرعون .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من النار ؟ ومن حُفظ من النار ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس , والذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبرني عن أنهار الجنة وعددها ؟
فقال الغلام : أنهار الجنة كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى كما قال في كتابه العزيز : "فيها انهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" , وكلها تجري في محل واحد لا يختلط بعضها ببعض , ويوجد نظيره في الدنيا - وهو في رأس بني آدم - ؛ طعم عينه مالح , وطعم أذنه مر , وطعم فمه عذب .
فقال الحجاج : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون , فهل يوجد مثلهم في الدنيا ؟!
فقال الغلام : الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يتغوط !.
فقال الحجاج : فما أول قطرة من دم ؟!
فقال الغلام : هي حيض حواء .
فقال الحجاج : فأخبرني عن العقل ؟ والإيمان ؟ والحياء ؟ والسخاء ؟ والشجاعة ؟ والكرم ؟ والشهوة ؟
فقال الغلام : إن الله قسم العقل عشرة أقسام : جعل تسعة في الرجال , وواحداً في النساء .
والإيمان عشرة : تسعة في اليمن , وواحداً في بقية الدنيا . والحياء عشرة : تسعة في النساء , وواحداً في الرجال . والسخاء عشرة : تسعة في الرجال , وواحداً في النساء . والشجاعة والكرم عشرة : تسعة في العرب , وواحداً في بقية العالم . والشهوة عشرة أقسام : تسعة في النساء . وواحداً في الرجال .
فقال الحجاج : فأخبرني , ما يجب على المسلم في السنة مرة ؟
فقال الغلام : صيام رمضان .
فقال الحجاج : وما يجب في العمر مرة ؟
فقال الغلام : الحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا .
فقال الحجاج : فأخبرني عن أقرب شيء إليك ؟
فقال الغلام : الآخرة .
ثم قال الحجاج : سبحان الله !! يؤتي الحكمة من يشاء من عباده !! ما رأيت صبياً أتاه الله العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام !!
فقال الغلام : أنا أهل لذلك .
فقال الحجاج : أخبرني يا غلام عن أجود بيت قالته العرب في الكرم ؟
فقال الغلام : هو بيت حاتم الطائي حيث يقول :
وأكرم الضيف حتما حين يطرقني *** قبل العيال على عسرٍ وإيسارِ
فقال الحجاج : أحسنت يا غلام وأجملت ! وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا إكرامك , ثم أمر له بألف دينار , وكسوة حسنة , وجارية , وسيف , وفرس . وقال الحجاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا , وإن أخذ غيرها قتلته . فلما قدمها له قال الحجاج : خذ ما تريد يا غلام !.
فغمزته الجارية وقالت : خذني . أنا خير من الجميع !.
فضحك الغلام وقال : ليس لي بك حاجة , وأنشد يقول :
وقرقعت اللجـام برأس حـمـراً *** أحب إلىّ مـمــا تغمزينـي
أخاف إذا وقعت على فراشي *** وطالت علتي لا تصحبيني
أخـاف إذا وقـعـنـا في مضيقٍ *** وجار الدهر بي لا تنصريني
أخـاف إذا فقدتِ المـال عنـدي *** تميلي للخصـام وتهجريني
فأجابته الجارية تقول :
مـعـاذ الله أفـعــل مــا تـقـــول *** ولو قُطِعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجي في ضميري *** وأقـنـع بالـيـسـيـر ومـا يجينـي
إذا عـاشرتني وعـرفت طبعي *** سـتـعـلـم أنـنـي خـيـر الـقـرين
فقال الحجاج : ويلك ! ألا تستحين ! تغمزينه وتجاوبينه بالشعر ؟!
فقال الغلام : إن كنت تخيرني فإنني أختار الفرس , أما إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع .
فقال الحجاج : خذهم . لا بارك الله لك فيهم !.
فقال الغلام : قبلتهم . لا أخلف الله عليك غيرهم , ولا جمعني بك مرة أخرى !!. ثم قال الغلام : من أين أخرج يا حجاج ؟
فأجابه الحجاج : اخرج من ذاك الباب , فهو باب السلام .
فقال الجلساء للحجاج : هذا جلف من أجلاف العرب ؟! أتى إليك وسبَّكَ وأخذ مالك ؟! فتدله على باب السلام ؟! ولم تدله على باب النقمة والعذاب ؟!
فقال الحجاج : إنه استشارني , والمستشار مؤتمَن .
وخرج الغلام من بين يدي الحجاج سالماً غانماً بفضل ذكائه وفهمه ومعرفته وحسن إطلاعه .
تنبيه : من باب الأمانة العلمية ( لقد حذفت بعض المقاطع ؛ لأنني لا أرغب في نشرها )
أسعد الله جميع أوقاتكم بكل خير .
( هذه قصة اخترتها لما فيها من جمال أدبي )
الحجاج بن يوسف والغلام .
دارت أحداث هذه القصة بين الحجاج بن يوسف الثقفي وأحد الغلمان ممن وهبه الله قوة في الجنان وفصاحة في البيان .
قصة غلام من بني هاشم والحجاج بن يوسف الثقفــي
خرج الحجاج بن يوسف ذات يوم للصيّد فرأى تسعة كلاب إلى جانب صبي صغير السنّ . عمره نحو عشر سنوات , وله ذوائب.
فقال له الحجاج: ماذا تفعل هنا أيها الغلام ؟
فرفع الصبي طرفه إليه وقال له : يا حامل الأخبار , لقد نظرت إلىّ بعين الاحتقار , وكلمتني بالافتخار , وكلامك كلام جبار , وعقلك عقل !!!!.
فقال الحجاج له : أما عرفتني ؟!
فقال الغلام : عرفتك بسواد وجهك , لأنك أتيت بالكلام قبل السلام .
فقال الحجاج : ويلك ! أنا الحجاج بن يوسف !!.
فقال الغلام : لا قرّب الله دارك ولا مزارك ؛ فما أكثر كلامك وأقل إكرامك !.
فما أتمّ كلامه إلا والجيوش قد حلّقت عليه من كل جانب , وكل واحد يقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين .
فقال الحجاج : احفظوا هذا الغلام , فقد أوجعني بالكلام .
فأخذوا الغلام . فرجع الحجاج إلى قصره فجلس في مجلسه ؛ والناس حوله جالسون , ومن هيبته مطرقون , وهو بينهم كالأسد . ثم طلب إحضار الغلام . فلما مَـثُـل بين يديه ورأى الوزراء وأهل الدولة لم يخش منهم , بل قال : السلام عليكم . فلم يرد الحجاج السلام . فرفع الغلام رأسه وأدار نظره فرأى بناء القصر عالياً ومزيناً بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان .
فقال الغلام : "أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين".
فاستوى الحجاج جالساً وكان متكئاً .
فقالوا للغلام : يا قليل الأدب ! لماذا لم تُـسلّم على أمير المؤمنين السلام اللائق ؟! ولماذا لم تتأدب في حضرته ؟!
فقال الغلام : يا براغيث الحمير , منعني عن ذلك التعب في الطريق , وطلوع الدرج . أما السلام على أمير المؤمنين وأصحابه يعني السلام على علىّ بن أبى طالب وأصحابه .
فقال الحجاج : يا غلام , لقد حضرت في يوم تمّ فيه أجلك , وخاب فيه أملك .
فقال الغلام : والله يا حجاج , إن كان في أجلي تأخير لم يضرني من كلامك لا قليل ولا كثير .
فقال بعض الغلمان : لقد بلغت من جهلك يا خبيث أن تخاطب أمير المؤمنين كما تخاطب غلاماً مثلك ؟! يا قليل الأدب ! انظر من تخاطب ؟! وأجبه بأدب واحترام فهو أمير العراق والشام !
فقال بعض الجلساء : اقتله يا أمير المؤمنين , فقد خالف الطاعة , وفارق الجماعة .
فقال الغلام : يا حجاج , أصلح جلساءك فإنهم جاهلون .
فأشار الحجاج لجلسائه بالصمت . ثم سأله الحجاج : هل تعرف أخي ؟
فقال الغلام : أخوك فرعون ! حين جاءه موسى وهارون ليخلعوه عن عرشه , فاستشار جلساءه .
فقال الحجاج : اضربوا عنقه !!.
فقال له الرقاشي : هبني إياه يا أمير المؤمنين , أصلح الله شأنك .
فقال الحجاج : هو لك . لا بارك الله فيه !!.
فقال الغلام : لا شكر للواهب , ولا للمستوهب .
فقال الرقاشي : أنا أريد خلاصك من الموت , فتخاطبني بهذا الكلام ؟؟!! ثم التفت الرقاشي إلى الحجاج وقال له : افعل ما تريد يا أمير المؤمنين !.
فقال الحجاج : أراك تجاوبني على كل سؤال , فأخبرني ما يقرب العبد من ربه ؟
فقال الغلام : الصوم , والصلاة , والزكاة , والحج .
فقال الحجاج : ابن من أنت ؟
فقال الغلام : أنا ابن أبي وأمي .
فسأله الحجاج : من أين جئت ؟
فقال الغلام : على رحب الأرض .
فقال الحجاج : أخبرني , من أكرم العرب ؟
فأجاب الغلام : بنو طيء .
فسأله الحجاج : ولم ذاك ؟
فقال الغلام : لأن حاتم الأصم منهم .
فقال الحجاج : فمن أشرف العرب ؟
فقال الغلام : بنو مضر .
فقال الحجاج : ولم ذاك ؟
فقال الغلام : لأن محمد - صلى الله عليه وسلم - منهم .
فقال الحجاج : أين تركت الإبل ذات القرون ؟
فقال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوّان .
فصاح الحجاج به قائلاً : يا قليل العقل !!, ويا بعيد الذهن !!, هل للصوان ورق ؟!
فقال الغلام : وهل للإبل قرون ؟!
فقال الحجاج : هل حفظت القرآن ؟
فقال الغلام : هل القرآن هارب منى حتى أحفظه ؟!
فسأله الحجاج : هل جمعت القرآن ؟
فقال الغلام : وهل هو متفرق حتى أجمعه ؟!
فقال له الحجاج : أما فهمت سؤالي ؟؟!!
فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول : هل قرأت القرآن , وفهمت ما فيه ؟!
فقال الحجاج : فأخبرني عن آية في القرآن أعظم ؟ وآية أحكم ؟ وآية أعدل ؟ وآية أخوف ؟ وآية أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بينات ؟ وآية كذب فيها أولاد الأنبياء ؟ وآية صدق فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله تعالى لنفسه ؟ وآية فيها قول الملائكة ؟ وآية فيها قول أهل الجنة ؟ وآية فيها قول أهل النار ؟ وآية فيها قول إبليس ؟؟
فقال الغلام : أما أعظم آية فهي آية الكرسي . وأحكم آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" . وأعدل آية "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" . وأخوف آية "أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم" . وأرجى آية "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" . وآية فيها عشر آيات بينات هي "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب" . وأما الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي "وجاءوا على قميصه بدم كذب" , وهم إخوة يوسف ؛ كذبوا ودخلوا الجنة . وأما الآية التي صدق فيها اليهود والنصارى فهي "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء", فصدقوا ودخلوا النار . والآية التي قالها الله تعالى لنفسه هي "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" . وآية فيها قول الأنبياء "وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" . وآية فيها قول الملائكة "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" . وأية فيها قول أهل الجنة "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور" . وآية فيها قول أهل النار "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" . وآية فيها قول إبليس "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" .
فقال الحجاج : أخبرني عمن خُلِقَ من الهواء ؟ ومن حُفِظَ بالهواء ؟ ومن هَلِكَ بالهواء ؟
فقال الغلام : الذي خُلِقَ من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام , والذي حُفِظ َبالهواء سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام , وأما الذي هَلَكَ بالهواء فهم قوم هود .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلِقَ من الخشب ؟ والذي حُفظ بالخشب ؟ والذي هلك بالخشب ؟
فقال الغلام : الذي خُلِقَ من الخشب هي الحية ؛ خُلِقت من عصا موسى عليه السلام , والذي حفظ بالخشب نوح عليه السلام , والذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من الماء ؟ ومن نجا من الماء ؟ ومن هلك بالماء ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من الماء هو أبونا آدم عليه السلام , والذي نجا من الماء موسى عليه السلام , والذي هلك بالماء فرعون .
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من النار ؟ ومن حُفظ من النار ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس , والذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام .
فقال الحجاج : فأخبرني عن أنهار الجنة وعددها ؟
فقال الغلام : أنهار الجنة كثيرة لا يعلم عددها إلا الله تعالى كما قال في كتابه العزيز : "فيها انهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" , وكلها تجري في محل واحد لا يختلط بعضها ببعض , ويوجد نظيره في الدنيا - وهو في رأس بني آدم - ؛ طعم عينه مالح , وطعم أذنه مر , وطعم فمه عذب .
فقال الحجاج : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوطون , فهل يوجد مثلهم في الدنيا ؟!
فقال الغلام : الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يتغوط !.
فقال الحجاج : فما أول قطرة من دم ؟!
فقال الغلام : هي حيض حواء .
فقال الحجاج : فأخبرني عن العقل ؟ والإيمان ؟ والحياء ؟ والسخاء ؟ والشجاعة ؟ والكرم ؟ والشهوة ؟
فقال الغلام : إن الله قسم العقل عشرة أقسام : جعل تسعة في الرجال , وواحداً في النساء .
والإيمان عشرة : تسعة في اليمن , وواحداً في بقية الدنيا . والحياء عشرة : تسعة في النساء , وواحداً في الرجال . والسخاء عشرة : تسعة في الرجال , وواحداً في النساء . والشجاعة والكرم عشرة : تسعة في العرب , وواحداً في بقية العالم . والشهوة عشرة أقسام : تسعة في النساء . وواحداً في الرجال .
فقال الحجاج : فأخبرني , ما يجب على المسلم في السنة مرة ؟
فقال الغلام : صيام رمضان .
فقال الحجاج : وما يجب في العمر مرة ؟
فقال الغلام : الحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا .
فقال الحجاج : فأخبرني عن أقرب شيء إليك ؟
فقال الغلام : الآخرة .
ثم قال الحجاج : سبحان الله !! يؤتي الحكمة من يشاء من عباده !! ما رأيت صبياً أتاه الله العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام !!
فقال الغلام : أنا أهل لذلك .
فقال الحجاج : أخبرني يا غلام عن أجود بيت قالته العرب في الكرم ؟
فقال الغلام : هو بيت حاتم الطائي حيث يقول :
وأكرم الضيف حتما حين يطرقني *** قبل العيال على عسرٍ وإيسارِ
فقال الحجاج : أحسنت يا غلام وأجملت ! وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا إكرامك , ثم أمر له بألف دينار , وكسوة حسنة , وجارية , وسيف , وفرس . وقال الحجاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا , وإن أخذ غيرها قتلته . فلما قدمها له قال الحجاج : خذ ما تريد يا غلام !.
فغمزته الجارية وقالت : خذني . أنا خير من الجميع !.
فضحك الغلام وقال : ليس لي بك حاجة , وأنشد يقول :
وقرقعت اللجـام برأس حـمـراً *** أحب إلىّ مـمــا تغمزينـي
أخاف إذا وقعت على فراشي *** وطالت علتي لا تصحبيني
أخـاف إذا وقـعـنـا في مضيقٍ *** وجار الدهر بي لا تنصريني
أخـاف إذا فقدتِ المـال عنـدي *** تميلي للخصـام وتهجريني
فأجابته الجارية تقول :
مـعـاذ الله أفـعــل مــا تـقـــول *** ولو قُطِعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجي في ضميري *** وأقـنـع بالـيـسـيـر ومـا يجينـي
إذا عـاشرتني وعـرفت طبعي *** سـتـعـلـم أنـنـي خـيـر الـقـرين
فقال الحجاج : ويلك ! ألا تستحين ! تغمزينه وتجاوبينه بالشعر ؟!
فقال الغلام : إن كنت تخيرني فإنني أختار الفرس , أما إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع .
فقال الحجاج : خذهم . لا بارك الله لك فيهم !.
فقال الغلام : قبلتهم . لا أخلف الله عليك غيرهم , ولا جمعني بك مرة أخرى !!. ثم قال الغلام : من أين أخرج يا حجاج ؟
فأجابه الحجاج : اخرج من ذاك الباب , فهو باب السلام .
فقال الجلساء للحجاج : هذا جلف من أجلاف العرب ؟! أتى إليك وسبَّكَ وأخذ مالك ؟! فتدله على باب السلام ؟! ولم تدله على باب النقمة والعذاب ؟!
فقال الحجاج : إنه استشارني , والمستشار مؤتمَن .
وخرج الغلام من بين يدي الحجاج سالماً غانماً بفضل ذكائه وفهمه ومعرفته وحسن إطلاعه .
تنبيه : من باب الأمانة العلمية ( لقد حذفت بعض المقاطع ؛ لأنني لا أرغب في نشرها )